سيد محمد طنطاوي
232
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبوهم : زكريا ويحيى ، وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - كما حاولوا قتل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلا أن اللَّه - تعالى - نجاهما من مكرهم وكيدهم . قال صاحب الكشاف : وقوله : * ( كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ ) * جملة شرطية وقعت صفة لقوله : * ( رُسُلًا ) * . والرابط محذوف : أي : رسول منهم * ( بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ ) * أي بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم . فإن قلت : أين جواب الشرط قلت : هو محذوف يدل عليه * ( فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) * فكأنه قيل : كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه » « 1 » . والتعبير بقوله : * ( كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) * يدل على أن حال بني إسرائيل بالنسبة للرسل يدور بين أمرين إما التكذيب لهم ، والاستهانة بتعاليمهم وإما أن يجمعوا مع التكذيب قتلهم وإزهاق أرواحهم الشريفة . فكأن التكذيب والقتل قد صارا سجيتين لهم لا تتخلفان في أي زمان ومع أي رسول ، وذلك لأن لفظ « كل » يدل على العموم . « وما » مصدرية ظرفية دالة على الزمان ، فكأنه - سبحانه - يقول : في كل أوقات مجيء الرسل إليهم كذبوا ويقتلون دون أن يفرقوا بين رسول ورسول أو بين زمان وزمان . وقال - سبحانه - * ( بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ ) * للمبالغة في ذمهم ، إذ هوى النفس ميلها في الغالب إلى الشهوات التي لا تنبغي ، والرسل ما أرسلهم اللَّه - تعالى - إلا لهداية الأنفس ، وكفها عن شهواتها التي يؤدى الوقوع فيها إلى المفاسد . وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل ، ويقتلونهم إلا لأنهم جاؤهم بما يخالف هواهم ، ويتعارض مع أنانيتهم وشرههم ومطامعهم الباطلة . وهكذا الأمم عندما تفسد عقولها وتسيطر عليها الأطماع والشهوات ، ترى الحسن قبيحا ، وتحارب من يهديها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها . وقدم - سبحانه - المفعول به في قوله * ( فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) * للاهتمام بتفصيل أحوال بني إسرائيل السيئة ، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم . وعبر عن التكذيب بالفعل الماضي فقال : * ( فَرِيقاً كَذَّبُوا ) * وعن القتل بالفعل المضارع فقال : * ( وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) * لحكاية الحال الماضية التي صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل في الماضي كأنه حاصل وقت التكلم ، ولاستحضار جريمتهم البشعة في النفوس حتى لكأنها واقعة
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 662